مكتبة الفديو 

الرئيسية

الوقت الآن

الأذكار

تلقين المحتضر
قال صلى الله عليه وسلم : لقنوا موتاكم قول : لاإله إلا الله

مواقيت الصلاة

الدولة:

حكمة اليوم

قَدْ يخلقُ مِنْ ظَهرِ العَالِمِ جَاهِلاً. ‏

معجم الأسماء



معاني الاسماء

الخميس 29- محرم- 1439 هجرية الموافق 19-أكتوبر- 2017 ميلادي

عبد الرحمن البطحي...الرجل الذي لم ينفصل عن ظِلِّه

 

إبراهيم منصور الشوشان *


عمن أريد أن أتحدث..؟! لا أظن أن أحداً يحسن الكتابة عن هذا الموضوع..! عفواً..! لقد جعلته موضوعاً..! هو ليس بموضوع..! إن هو إلا كم هائل من الاعتبارات التي يصعب التعبير عنها، هو (إنسان) وإنسانٌ معتبرٌ بكل معنى الكلمة، ليس مثله من يُشَيَّأ..! ما أكثر الناس (الأشياء)..! عفواً مرة أخرى..! أنا لا أريد أن أغمس في إناء المفكر الوجودي (جان بول سارتر) فلعل هذا يغيظ فقيدنا موضوع الحديث، ولكني سأعرض تصنيفاً - وأستميحكم عذراً - جاء في أدبيات العرب، قال حكيم: (الناس ينقسمون إلى طوائف أربع، وهم: طائفة الحكام الذين يبسطون سلطانهم على الناس ويقيمون العدل بينهم وطائفة هم أهل العلم والفقه وهم الذين يبينون للناس أمور دينهم ودنياهم وطائفة هم أهل الشجاعة والنخوة والبأس الذين يذودون عن الحمى ويلوذ بهم الضعفاء وطائفة الأجواد والكرماء الذين يبذلون أموالهم ويلجأ إليهم أصحاب الحاجات ويدفعون الغرامات، وما بقي هم من العالة الذين يضيقون الطرقات ويعكرون الماء ويغلون الأسعار) هذا كلامٌ مجرد لا ينهض إلى مستوى الفلسفة فالتفلسف خاصية يتميز بها فقيدنا فله بها القدح المعلى فهو يحب النظر لكثير من الأمور من خلال المنظار الفلسفي، ترى هل يتماهى ما ورد آنفاً مع قول الشاعر: قد يهون العمر إلا ساعة وتضيق الأرض إلا موضعاً
إن وجه العلاقة هو (القيمة) أي (المعنى) وهو ما يتجلى فيه ويسعى إليه فقيدنا المفكر الفيلسوف، المثقف الأديب الشاعر الراوية النسابة المهتم بالآثار والمواقع الملم بعلوم عصره المعلم )الأساتذة) عبد الرحمن البطحي - أبو إبراهيم - من رغب بالكنية دون البُنية. كانت تتجلى فيه صورة (الإنسان) الساعي إلى الكمال والطهر متغلباً ما أمكن على كل العوامل المسببة للخذلان والضعف مما يتهالك عليه الناس عادة حتى ألزم نفسه بأمور هي فوق ما يطيقه الكثير من أرباب المجاهدة في كافة أمور حياته من مأكل ومشرب وملبس وأمور أخرى هي محل خلاف، هل كان يسعى بذلك نحو تحقيق صورة الإنسان الكامل بذاته.. هل كان ينشد السعادة من خلال ذلك..؟ هل محاولته التمرد من شهوات البدن هو سعي للنفس نحو الفكاك من إسارها.
 

 



تحدث مرة عن رواية مشهورة للكاتب الإنجليزي (جوليان هكسلي) بعنوان العالم الجديد الجريء وهو كيف ان العالم المتحضر سئم الركون إلى الضعف الذي يعتور المخلوق البشري وأخذ يبحث عن مخرج فلم يجد بداً من أن يصنع نفسه بنفسه..!
وكانت هذه الرواية هي المخرج وهي النبوءة وهي محاولة صنع الإنسان وفق ما يرغب الإنسان واستطرد بالحديث عن النكسة الأخلاقية التي سوف تترتب على ذلك، وهو ما يمكن أن يحدث من خلال العبث بالجينات الوراثية ثم يعطي الوجه المشرق للتوجيه الإسلامي في تهذيب الأخلاق وبناء الإنسان وفق المعايير الإسلامية، فيتعرض للأخلاق عند ابن مسكويه وربطه بين الأخلاق والفضيلة، وإذا تحدث عن مجاهدة النفس وصمودها أخذ يتحدث بإسهاب عن الإمام أحمد بن حنبل وابن تيمية فتحس أنه تقمص روح هاتين الشخصيتين، فما هي إلا لحظات وإذا بنا أمام المهاتما غاندي بزهده وتضحيته ولا ينسى ان يحمد الله انه لم يقتل بيد مسلم. ثم تبرق عيناه وكأنما نحن أمام أمر جلل إنها (هيلين كلر) قد دخلت على الخط تلك المرأة العمياء الصماء، ولا يطول الوقت إلا ونحن مع الاسكندر المقدوني وليس المقصود الإشادة بالفاتح المشهور، بل المقصود هو الفيلسوف الزاهد الباحث عن الحقيقة (ديوجين) حيث يسأله الاسكندر إن كان يطلب حاجة يلبيها له فيطلب منه ان يبتعد كي لا يحجب عنه ضوء الشمس..! وأمام إعجابه بمثل هذه النماذج ندرك بوضوح أي شخصية هو..!
كان رحمه الله يقيم وزناً للجميع فمنتداه اليومي في بيته بحي المسهرية ثم فيما بعد مزرعته (مطلة) يؤمه مختلف الشخصيات الرسمية والأدبية وعامة الناس وكلهم أثيرون لديه فلا يقدر هذا دون ذاك ولا يمنح اهتمامه لشخص دون الآخر ومن أبرز صفاته انه لا يتجمل فهو لا يتظاهر بغير ما هو عليه في كل شئونه، كان يرى غناه ومعنى وجوده في كسب المعرفة واقتناصها من كل مصدر وامتلاكها، كان يسعى إليها سعي الشحيح للدينار والدرهم لكنه كان ينفقها إنفاق الجواد الذي لا يخشى على ماله النفاد، فلم يكن يرد سائلاً في أي مسألة من المسائل العلمية أو الأدبية أو في توجيه طالب يسعى لإكمال رسالته العلمية، وتزويده بما يحتاجه دون مَنّ، فهذا ديدنه منذ نشأة أول منتدى أدبي فكري منذ نحو خمسين عاماً (في قهوة المسهرية)، حتى ارتحل بعد هدم بيوت الطين، ثم انه أنشأ مزرعة (مطلة) فوق مكان مرتفع غربي مدينة عنيزة، كان يعقد بها المنتدى من صلاة المغرب إلى بعد العشاء وربما امتد إلى أكثر من ذلك بساعة أو ساعتين، وقد يأتي كبار السن الذين يجدون لدى أبي إبراهيم ما ينعش ذاكرتهم ويعيد إليهم الماضي الجميل، وتبدأ معظم الجلسات بداية عفوية ربما بدأت بسؤال من أحدهم أو نكتة ثم يأخذ الحديث مجراه، والحديث ذو شجون، وعند أبي إبراهيم ذو شجون وأشجان، فما تقول برجل ربما افتتح حديثه عن (جماعة المعتزلة) والموقف المعتزلي من فاعل الكبيرة، وعن النية والإرادة ثم في وسط الجلسة عرض عن أسباب إسقاط القنبلة من قبل الأمريكيين على هيروشيما ونجازاكي بسبب شفرة الحقل الجرثومي في تحليل يجهله الكثيرون، وفي آخر الجلسة نسمع منه قصة مجيدع الربوض - الكسير - الذي حمله أصحابه على الأكتاف دون أن تظهر عليهم علامات الإرهاق أو التململ ثم يأتي بذكر القصيدة الجميلة التي تصور حادثة تلك القصة، أو عن الشاعر زيد الخشيم الخالدي وعجز بيته الذي يتلذذ هو بترديده: ألْهَمْ زود وما بغا الله صاير. إن الذي يشد بإعجابك نحو هذا الرجل ثقافته الشمولية واهتمامه بكل المعارف الإنسانية، ففي جلساتٍ أخرى تجده يتحدث عن الحيل اللاشعورية ولا يستنكف أن يعترف انه يجد نفسه أحياناً واقعاً في مثل هذه السقطات الخارجة عن اللاشعور وان تحدث عن (راسكولينكوف) هذا الفتى الوصولي الذي يبرر لنفسه في رواية (الجريمة والعقاب) (لدوستويفسكي) أي فعل للوصول إلى غايته بدواعي تفوقه، فلا غرابة ان عرج على (عطيل) أحد أبطال (شكسبير) وكشف عن دوافعه النفسية لسلوكه الوحشي، وربما ختم جلسته متحدثاً عن عبقرية جلالة الملك عبد العزيز أو عن أحد المستشرقين أو الرحالة. أما صحة انتمائه الديني والوطني، فمن الذي يجرؤ أن يزايد أبا إبراهيم عليهما إنهما في السويداء من قلبه وعقله.
ومن أبرز سمات شخصية فقيدنا الصلابة المتناهية مع نفسه، فقد تعاورت جسمه النحيل العديد من الأمراض فمنذ ترك عمله متقاعداً استلمت هذه الأمراض وظائفها في جسمه واختارت الأجهزة الحيوية منه لكنه لم يشتك أو يتحدث بشيء من ذلك لأحد ولا لأدنى قرابته وإلى آخر أيامه كان يكره كل الكره الإلحاح بالسؤال عن صحته لما يُرى عليه من إعياء وضعف تبدو على ظاهر جسمه وليس على نفسيته ومعنويته وظلت هذه السمة معه إلى آخر أيامه، كان يسافر لمتابعة علاجه لوحده ويخضع للتنويم دون أن يذكر ذلك لأحد أو يبين بأي مستشفى يقيم حتى لا يثقل على أحد أو يشغل بال الآخرين تجاهه، لم نتعرف على مجمل الأمراض التي يعاني منها إلا بعد دخوله غرفة العناية الفائقة..! لقد مات الرجل واقفاً كنخلة من نخيل وادي الجناح..!
كانت رغبته ألا تشغل صحته بال الآخرين على الرغم مما أحيط به من محبة واحترام من عائلته وخاصة من أبناء اخوته الذين كانوا نعم الأبناء له، كانوا يراعونه أشد المراعاة لا يتخلفون - منذ أرشدوا - عن حضور مجلسه ومراعاة حاجات الضيوف بأريحية هي محل الإعجاب والتقدير.
هو من أسرة عريقة في عنيزة ذات امتداد عائلي كبير والده: إبراهيم بن صالح البطحي التاجر الشهير من تجار عنيزة البارزين، كانت معاملاته تمتد إلى خارج منطقة القصيم وربما لساحل الخليج والحجاز وخاصة التجارة التي تخص البادية من الإبل والأغنام والتمور والحبوب، فكان محل والده الكبير في سوق المدينة يستقبل تجار الإبل والأغنام من البادية وكذلك المنزل الكبير الذي لا يفرغ من رائح أو غاد فكان فقيدنا منذ نمت مداركه يخالط هؤلاء ويحادثهم ويسمع أخبارهم وينصت لمروياتهم ويحفظ ما يأتون به من طرائف وأشعار بأذن لاقطة وقلب واع، فأشرقت نفسه التواقة للمزيد فانصرف إلى المتميزين منهم بالرواية والشعر ليأخذ عنهم. لكن لم تصرفه الرواية الشعبية عن الاهتمام بالتراث العربي الفصيح فكان ينفرد بنفسه لمطالعة الأدب العربي شعره ونثره فيحفظ الكثير من النصوص الشهيرة مع شرحها، كالمعلقات ولامية العرب وحينها لم يظهر له ميل للاطلاع على ما استجد من دراسات أدبية حديثة كمدرسة الديوان أو أدب المهجريين، حتى اضطر للسفر لغرض العلاج وهو ابن السابعة عشر نحو لبنان وذلك في عام 1376هـ وكان نقطة انطلاقه وانفتاحه على العالم الخارجي وعلى الثقافة والفكر بمعناهما الواسعين. قال: (عند سفري لم أكن أحمل معي من الكتب سوى (جواهر الأدب) للشيخ أحمد الهاشمي لأنه كان من وجهة نظري آنذاك أعظم كتاب أدبي على الإطلاق ولكي لا أشعر بالسأم خلال إقامتي هناك).
لكنه لما وصل إلى هناك فكأنما قد فتحت له أبواب المعارف على مصراعيها، فلقد ولج عالماً آخر اختطفه إلى عوالم لم تخطر له على بال انتزعته من عالمه المحدود نحو العالم الواسع الرحيب، فردت له المعرفة ذراعيها بكل بهجتها وروعتها فاحتضنها بكل ما لديه من موهبة عقلية وقدرة ذهنية ولم يستهوه من مظاهر الحياة شيء سواها. فالتهم كل ما وقع عليه بصره من كتب الأدب والثقافة، وما كتب في العلم والفكر والفلسفة وأثناء إقامته بلبنان تهيأ له مقابلة بعض الأدباء والمفكرين، فكان مما أحضر عند عودته ترجمة كاملة (لملحمة الإلياذة) (لهوميروس) ترجمة البستاني وهي طبعة قديمة نادرة جداً ومحدودة الانتشار في العالم العربي وقد اطلعنا عليها. كانت الفترة التي قضاها في لبنان على قصرها بعيدة الأثر في توجيه ثقافته وفكره واتساعه وشموله، فحين عاد إلى وطنه عاد شاباً آخر، شاباً مشحوناً بعنفوان المعرفة، متوقداً ثقافة وفكراً وصاحبه هذا العنفوان والتوقد طيلة حياته مما جلب له الكثير من المضايقات ممن لا يدركون نقاء سريرته وسلامة اتجاهاته، وعلى الرغم من انفتاحه على الثقافة العالمية لم يتنكر لثقافته المحلية مدركاً أنها هي الأصل وهي القاعدة الصلبة لبناء الثقافة الشمولية، لذا ما انفك يخالط المتميزين من كبار السن والرواة والشعراء يأخذ منهم ويستزيد مثل الشيخ عبد الرحمن الربيعي راوية الشعر المشهور والشيخ محمد بن عبيد صاحب التاريخ المخطوط والشيخ أبو حمد الخنيني والشيخ العمري وغيرهم عدا من عرف من رجالات البادية بالشعر والرواية.
وتكررت أسفاره نحو الشام ومصر والدول الغربية والولايات المتحدة وتمكن من اللغة الإنجليزية اطلاعاً وكتابةً مما هيأ له سبل الاطلاع على مؤلفات الرحالة والمستشرقين فبلغ بذلك شأواً بعيداً. وأخذ ميله يتجه إلى دراسة الفكر النظري والمذاهب الفكرية والفلسفية في العالم، وكان أفضل من يكون حينما يجد من يناقشه أو يجادله في ميدان الفكر أو الفلسفة
.

حينما نتطرق للحديث عن اهتمامات أبي إبراهيم نجد أنفسنا في حيرة لتشعب هذه الاهتمامات وتنوعها وهذا ما أوقعني بحيرة شديدة حينما شرفني الإخوة في الملحق الثقافي بالكتابة عن هذا المفكر التنويري والمثقف الفذ، فأنا لا أذكر - وبحدود معرفتي - له نظيراً بسعة اهتماماته وتنوع ثقافته، فله اهتمامات لا حدود لها في:
الرواية: فهو أشهر راوٍ في حاضرنا عن أخبار البادية والحاضرة وما كان
من حروب ونزاعات ومناوخات وما دار بينهم من شعر النقائض وفي وسوم الإبل.
علم الأنساب: لا شك بأنه أشهر من أن يعرف في علم الأنساب والقبائل، وكثيراً ما جاءته خطابات ومكالمات للاستفسار في هذا المجال.
الشعر والأدب: هو الأديب الشاعر المطلع على شئون الأدب وشعره ونثره
إبداعاً ونقداً، العارف بمدارسه المميز لأجناسه، كان يطالعنا أحياناً على نصوص شعرية كتبها كانت غاية بالإبداع تتوافر فيها جماليات التصوير وعمق الفكرة ذات نهج حديث. منها المقفى وشعر التفعيلة، لكنه يضن به فلا أعتقد أن أحداً حصل على مثل هذه النصوص.
العلوم النظرية: يتميز أبو إبراهيم بتفكير علمي رصين فهو مهتم بالعلوم مما
يعكس استشرافه للمستقبل، فكما يتحدث بالفكر والأدب يتناول أبواب العلوم الأخرى تناول العالم المطلع كالتقنية بالطب وأنواع الأمراض وتقنية الفضاء كما يتطرق إلى شرح النظريات العلمية كنظرية النسبية ونظرية تطور الكائنات وعلم الجينات الوراثية وله اهتمام بالرياضيات والفلك وشئون الزراعة وكثيراً ما تحدث عن عالم الطفيليات والحشرات بدقة متناهية.
الآثار: تحظى الآثار بجانب كبير من اهتمامه فهو ينتقل إلى العديد من
الأماكن الأثرية في داخل المملكة وخارجها للتحقق والاطلاع وتدوين ما يراه، كما أن لديه بالإضافة لمكتبته العامرة الكثير من الأثريات التي يحتفظ بها.

تقاعد فقيدنا من إدارة مدرسة الملك عبد العزيز تقاعداً مبكراً منذ خمسة عشر عاماً تقريباً ليتفرغ للاطلاع والبحث، ولعلنا فهمنا من بعض إشاراته أنه كان لديه بعض ما ينوي أن ينجزه من الأبحاث والدراسات والمتابعات مثل: تعريفات مبسطة عن المذاهب والمدارس الفكرية والسياسية ومراجعة لتاريخ الشيخ محمد بن عبيد (مخطوط) ودراسة لشخصيات ذات أهمية من مدينة عنيزة، لكنه منذ تقاعده تكالبت عليه الأمراض ومن أبرزها فتاق أضعف حركته وشل نشاطه وأسقام تكتم عليها إلى حين وفاته رحمه الله، وتحت إلحاح الكثيرين أفرج الفقيد عن مخطوطين، أحدهما عن (الخياط) راعي البندق وصاحب القصيدة المشتهرة عن عنيزة صحح فيه الكثير من المعلومات المتناقلة حوله وحول القصيدة وكذلك أفرج عن قصيدة له مطولة التزم فيها قافية قصيدة الخياط المذكورة وهي تغطي أحداثاً تاريخية بعنيزة، وأرجح أن له إبداعاتٍ أخرى وهو ما تبين لنا من خلال إشارات منه غير مقصودة.
هذا غيض من فيض عن عبد الرحمن البطحي، الذي أحدث وعياً فكرياً - على الأقل - بين شباب مدينة عنيزة، وعياً يستوحي من الإسلام منهجاً ونبراساً وضميراً، ويتغذى من مخزونه الذي لا ينضب، ويقتطف من ثمار الفكر العالمي من الشرق بعراقته ومن المغرب بحداثته ما يوفر له ثراء وتوازناً.
والآن، كيف لنا أن نتصور عنيزة الوعي والثقافة، عنيزة الفكر والأدب دون عبد الرحمن البطحي..؟! الذين كانوا يتوافدون على عنيزة من أرباب الفكر والثقافة، كيف لهم أن يأتوا دون أن يلتقوا به..؟! كيف لنا بعد غيابه أن نلتقي ب(أبو يعرب) محمد القشعمي والدكتور الغذامي والوزير المهذب معالي عبد الرحمن أبا الخيل والشيخ أمد الله في عمره عبد الكريم الجهيمان والأستاذ محمد السيف والدكتور العثيمين و(أبو عبد العزيز) المصيريعي والدكتور عبد الرحمن السماعيل و(أبو يزن) إبراهيم التركي والأستاذ إسماعيل السماعيل والدكتور عبد الله الربيعي والشاعر المرهف (أبو عبد العزيز) الشريف والأستاذ عبد الله عيد المساعد والدكتور حمد المرزوقي (أبو نادر) والدكتور علي الخشيبان.. وغيرهم كثير ممن لا تسعفني الذاكرة بأسمائهم ممن يأتون من خارج عنيزة.. كيف لهم أن يأتوا إذا عرفوا أن عبد الرحمن البطحي ما عاد بانتظارهم ليحادثوه ويستمعوا له، كيف لهم أن يأتوا إذا عرفوا أنه هناك في قطعة من الصحراء احتفظت بتوحدها وصمتها وسكونها لا يكاد يشير إلى مكانه سوى شاهدين من الحجارة لا يتميزان عن مئات الشواهد المنتصبة والتي لا نملك حين نعبُر من جانبها إلا الدعاء لأصحابها، وانهم المتقدمون ونحن المتأخرون. رحم الله أبا إبراهيم رحمة واسعة وعفا عنه وأجزل مثوبته وأحسن إليه كما كان هو باراً ومحسناً، وعوضه صحبة خيراً من بعض صحبه الذين كثيراً ما أخذوا عنه وتنكروا له. آمين.

وقفة
:

ذئب ترصدني وفوق نيوبه ** دم إخوتي وأحبتي وصحابي

 

 

أرسلت يوم 26-7-1429 هـ بواسطة admin

 

تقييم المقال

المعدل: 1
تصويتات: 1


الرجاء تقييم هذا المقال:

ممتاز
جيد جدا
جيد
عادي
رديئ


المواضيع المرتبطة

مقالات عن الراحل

التعليقات مملوكة لأصحابها. نحن غير مسؤلون عن محتواها.

التعليق غير مسموح للضيوف, الرجاء التسجيل