مكتبة الصور 

الرئيسية

الوقت الآن

الأذكار

كراهية تمني الموت لضر نزل بالإنسان
لايدعون أحدكم بالموت لضر نزل به ولكن ليقل : اللهم أحيني ماكنت الحياة خيراً لي ، وتوفني إذا كانت الوفاة خيراً لي

مواقيت الصلاة

الدولة:

حكمة اليوم

أسَدٌ عليَّ وفي الحروبِ نعامـةٌ. ‏

معجم الأسماء



معاني الاسماء

الخميس 29- محرم- 1439 هجرية الموافق 19-أكتوبر- 2017 ميلادي

علاّمة عنيزة ومؤرخها لـ الاقتصادية:

 

القصيمي عاش في لبنان في فقرٍ شديد والشيخ ابنُ سعدي رفض لقاءه!
حاوره / محمد عبد الله السيف
الثلاثاء - 07/06/2005


يواصل الأديب المؤرخ الراوية عبد الرحمن البطحي حديثه الوثائقي المهم، الذي انفردت ''الاقتصادية'' بنشره، حيثُ يعرِض لجذور التميز والتسامح اللّذين عُرفت بهما مدينة ''عنيزة'' دون غيرها من مدن نجد، ويستعرض في حديثه شيئاً من سيرة المفكر السعودي عبد الله القصيمي، خاصةً مرحلة لبنان، التي عاش القصيمي خلالها في حالة فقرٍ شديد، رغم أنها أتاحت له فرصة النشر وطرح آرائه الجريئة، كما يعرض ضيف ''الاقتصادية'' للدور الذي لعبه ''العقيلات'' ويتحدث بجرأة عن اتجاهاته الفكرية في مرحلة الشباب، فإلى هذا الحوار:

هناك من يلحظ أن ثمة تميّزاً لمدينة عنيزة عن غيرها، ليس على مستوى القصيم فحسب، بل على مستوى نجد، في رأيكم ما سرّ هذا التميز؟

تعود جذور هذا التميز إلى عدة قرون مضت، فمدينة عنيزة نشأت بدايةً وتأسست على يد الأمويين ثم العباسيين ومن بعدهم آل جناح من بني خالد الحجاز العامريين، فسُبيع القادمون من الخرمة .
ومعروف لدى الجميع أن الأمويين أقاموا دولتهم في الشام وأما العباسيون ففي العراق، أي أن المُنشئين المؤسسين الأوائل لأقسام عنيزة الأولى أناس يمثلون حضارة مكة في الجاهلية ثم حضارة الشام والعراق العظيمتين، ما جعل طبيعة نشأتها تختلف عن نشأة غيرها من مدن نجد المعروفة اليوم، التي كانت بداياتها إما موارد لقبائل من البادية يقطنونها صيفاً ويهجرونها في فصلي الخريف والشتاء وجزء من فصل الربيع، وبعضها ابتدأ بأسرة ريفية محلية هي أقرب إلى البداوة منها إلى المدينة وظلّت تتوارثها جيلاً بعد جيل دون أن يتم على وضعها أيُ تغيير يقود إلى وضع شبه حضاري،
إلى جانب هذا، عنيزة وبسبب وقوعها على طريق الحج وتوسطها منه حصلت على اهتمام كبير من الأمويين فالعباسيين بحيثُ تصبح ملتقى ومستراحاً لحجاج بيت الله القادمين من وإلى الأماكن المقدسة من مسلمي العراق وإيران والبلاد الواقعة شرقاً عنها وهؤلاء الحجاج في جملتهم ينتمون إلى أعظم الحضارات المعروفة قبل الإسلام ما يجعل لبقائهم في عنيزة أثراً حضارياً لا يمكن تفاديه، خاصة أنه يتمُ سنوياً على مدى عدة قرون،
مما سبق ذكره فإن هذه الأساب هي التي أسّست قاعدة هذا التميز، ولعله من المستحسن أن أذكر أن الشيخ الجليل (ابن الجزري) مؤلف كتاب ''النشر في القراءات العشر'' لجأ إليها لأسباب يطول ذكرها، وألف في جامعها ''جامع الجراح'' المُسمى الآن خطأً جامع الشيخ محمد العثيمين، ألف فيه مؤلفه ''الدرة'' وذلك في 822هـ أي قبل ستة قرون تقريباً، ما يدلُ على أنها ذات قوة ومنعة وشأن مرموق منذُ زمن بعيد، ومن الطبيعي أن يتطور هذا التميز على مدى السنين حتى استحقّ شهادة فئات من المفكرين العرب والمسلمين والمستشرقين الغربيين والشرقيين على حدٍ سواء.
 



طيلة قرون مضت عُرف عن مدينة عنيزة التسامح مع الآخرين، هل في الذاكرة صور من هذا التسامح؟

ما عُرف عن مدينة عنيزة من تسامح أمرٌ لا خلاف عليه ومتعارف عليه في جميع أرجاء الجزيرة العربية، بل يتعداها إلى أمصار أخرى، كالشام والعراق والهند والبحرين، حيث يوجد أهلها بكثرة. كما يُعرف عنها أنها قادرة في لحظات أن تتحول من زهرة إلى شفرة إذا ما استُثيرت كرامتها أو حدث ما يُهدد أمنها ومصالحها، أما أن أورد صوراً من ذلك التسامح فإن شهادتي كواحد من أبنائها، ولدتُ ونشأتُ فيها كما نشأ أبي وجدي وجد أبي، فإن شهادتي ستكون مجروحة من قبل بعض الجهات، كما أن صور التسامح المتمثلة في أحداث مفصلة قد تمّت في عنيزة وفي غيرها،
لذا فإنني أكتفي بالتذكير فيما رآه وأورده المستشرقون من عرب وغير عرب، خاصةً غير المسلمين الذين لم يبهروا فيها إلا بسبب ما واجهوه من تسامح وحسن لقاء ومعاملة راقية. ككارلوجورماني الذي رفض الإمام عبد الله بن سعود مقابلته في الدرعية، ولكنه اختار له التوجه إلى عنيزة في حماية بعضٍ من رجاله، فاستقبلته عنيزة وأكرمته،
وقد اعتبرها جورماني أكبر مدينة في نجد، وأن تجارتها الأساسية هي في الخيول العربية،
وكذلك تشارلز داوتي، الذي قال عنها ( إنها مدينة متحضرة تتمتع بسعادة ورفاهية أكثر من أي مكان آخر في الجزيرة العربية غير المتحضرة)،
وقال أيضاً: ( في عنيزة توجد حرية مدنية حيث لا توجد مظاهر للغطرسة لدى حكامها الطبيعيين، فقد يخاطب بعض الفقراء الأمير بألفاظ جارحة مثل ''ما بك خير'' فتُقابل من قِبل الأمير زامل بكل حكمة وقوة احتمال)،
وما تحدث به الريحاني الرحالة العربي المهجري المسيحي، وما قاله غني عن الذكر، وكذلك ما كتبه الطبيب لويس دامي، عضو البعثة الإرسالية الأمريكية سنة 1342هـ: (أهل عنيزة أكثر ذكاءً وأفضل معرفة وأكثر إنسانية في الجزيرة العربية) .
أما إليكسي فاسيليف، فقد لخّص أقوال الرحالة عن عنيزة في قوله ''نَعَتَ الرحالةُ عنيزةَ بأنها ''جمهورية مدنية'' ونعتوا أميرها بأنه ''أول المتكافئين'' وقالوا ـأي الرحالةـ عنه أيضاً ''إنه بمثابة رئيس جمهورية منتخب'' ).
أعتقد أن في هذه النماذج التي كتبها من لا يربطه بعنيزة سوى رابط الثقافة وفضول الاستكشاف ما يُغني عن أي صور أوردها أنا أو غيري.

شكرا على هذا الإيراد والتداعي الشائق، وأود أن أشير إلى أنك ذكرتَ في الإجابة عن السؤال المتعلق بتميّز عنيزة فقلتَ: جامع الجراح المُسمى خطأ جامع الشيخ محمد العثيمين، كيف؟

جامع الجراح العريق -هو أول جامع أُنشئ في عنيزة وكان يقابله جامع الجناح في قرية الجناح الخاصة ببني خالد- يمثلُ رمزاً تاريخياً من رموز التاريخ لهذه المدينة العريقة وكان يجب بقاء اسمه على ما كان عليه، لأنه من ثوابت تاريخها التي يجب أن تبقى على امتداد الأجيال المقبلة وعلى الرغم مما للشيخ العثيمين، رحمه الله، من جلالة قدر وعظمة مكانة، إلا أنه لا يجب تغيير اسم الجامع ونسبته إليه ولا إلى غيره، وقد أخطأ من فعل هذا، فالرموز التاريخية للمدن والقرى يجب أن تبقى على ما هي عليه، لأنها ليست مُلك فئة معينة ولا جيل معين، بل هي للأجيال والتاريخ على امتداده، وإنني واثق كل الثقة أن هذه التسمية لو عُرضت على الشيخ محمد في حياته لرفضها، لأنه كشيخه المتفرد الجليل عبد الرحمن بن سعدي، لا يرغب في أي شيء يتعلق بالمظاهر،
ولعلمه رحمه الله، أن هذا الجامع سبقه إليه عدد من أهل العلم والفضل كالشيخ محمد العلي الراشد، المتوفى سنة 1303هـ، والشيخ عبد الله بن عايض المتوفى سنة 1322هـ، والشيخ القاضي الرائع صالح بن عثمان القاضي، المتوفى سنة 1351هـ، وختامهم -وختامها مسك- الشيخ العلامة المشهود له بالزهد والورع والعطف والتواضع النادر عبد الرحمن بن ناصر السعدي، المتوفى سنة 1376هـ، الذي تتلمذ عليه الشيخ محمد العثيمين وخَلَفه على منبره، رحمهم الله جميعاً،
والهدف من إيراد أولئك العلماء الأجلاء، هو القول إنه لو كان لأحدٍ أن يستبدل الاسم الأصلي التاريخي لهذا الجامع ''جامع الجراح'' باسمه، لكان فيمن سبق من هؤلاء الأفذاذ، مَنْ هو أحق وأولى من أن يحمل اسمَ آخرهم، ومَنْ ليس إلا عطاءً من عطاءاتهم، وإني أتمنى من كل فرد من أهل عنيزة أن يتشبّث بالتسمية الأولى التي تحافظ على ثبات رمز من رموز مدينتنا عنيزة في أذهان الأجيال القادمة، وأن لايعتمدوا هذه التسمية الأخيرة، التي لا تقدم بالنسبة للشيخ محمد شيئاً ولا تؤخر، بل إنها مخالفة لطبيعته، طبيعة الزهد والبُعد كل البعد عن حب الظهور ودوافعه.

هناك من يقصر أثر حملات ''العقيلات'' على الناحية الاقتصادية، وهناك من يمتدّ بها إلى نواحٍ أُخرى تمسّ اللغة والشعر والعادات والتقاليد، فما تعليقك؟

لا شك أن الهدف الأول والكامن من وراء تكوينها هو الاقتصاد الذي هو دائماً وراء كل حركة بشرية منذ أدرك الإنسان البدائي أهمية الادخار وضرورته. والعقيلات منظومة تجارية متحركة دائماً وعبر صحاري قاحلة، تتعرّض خلال اختراقها لكثير من التهديد الأمني، كما تتعرض لذلك خلال وجودها في بلدان لا تنتمي إليها، لذلك فقد تكوّنت لدى العقيلات أساليب خاصة تتعامل بها فيما بين أفرادها وما بين الشعوب التي تمارس تجارتها معها،
لقد شكّلت العقيلات عبر السنوات المتلاحقة نظامها التي عُرفت به، والذي يلتزم به كل من ينضوي تحت اسمها، أي أنهم ـ أي العقيلات ـ أفرادٌ، كلُ واحد منهم يمثل بنداً قانونياً خاصاً،
ومن تلك البنود: الصبر والتحمل، الشجاعة، الأمانة، الشهامة، التعاون النادر، ومن هذا التشكيل أصبحت للعقيلات شروط ومميزات في الفعل والتخاطب واللغة خاصة بهم، إنهم فئة تمارس التجارة على أساس نظام تحكمه الفضيلة والأخلاق الراقية والحديث المفصل عن منظومة العقيلات أمر واسع ليس هذا موضعه
.

 

أستاذي: سافرت إلى مصر عام 1970، وكان المفكر السعودي عبد الله القصيمي مُقيماً هناك، هل التقيته؟

لا، لم ألتقِ به لحظةً واحدة لا في هذه السفرة ولا فيما سبقها.

لماذا؟

لأنني مع احترامي لما كان له من مكانة ثقافية وفلسفية، لم أكن مقتنعاً برؤيته ولا بطريقته في الطرح التي استنتجتُها ممن يلتقون به، وكذلك قراءتي لعدد من كتبه الرئيسية المكثفة، ومادمتُ أختلف معه في أكثر طروحاته الفكرية، التي أعلم أنه لا يتنازل عنها، وأنني لن أقبلها، وأنني لا أرغب في الاصطدام معه، فقد رأيتُ أنه من الحكمة أن أتفادى اللقاء معه، وبحكم فارق السن بيننا فإن احترامه واجبٌ عليّ لعلمه وكبر سنه، وأفكاره مرفوضة لدي.

سبق لي أن أنجزت دراسة عن القصيمي تطرقتُ فيها إلى أصل أسرته الكريمة وارتباطها ببعض الأُسر في القصيم، وأثارتْ تلك الدراسة استغراب البعض، من حيث روابط القصيمي الاجتماعية مع أُسر قصيمية شهيرة، في رأيك لماذا كان القصيمي غائباً مُغيباً رغم شهرته؟

أولاً لأن أسرته تقلّصت في القصيم إلى حدٍ كبير، فوالده غادر المنطقة وهو طفل صغير وبقي تحت رعاية عمه في خبّ عين الحلوة، ثم هرب منها يافعاً والتحق بوالده في عمان ولم يرق له البقاء فغادر إلى مكة ثم إلى مصر، وكل هذا تمّ وهو في سنٍ مبكرة، مما جعله شبه مجهول بالنسبة لأكثر أهل المنطقة،
وثانياً أنه وبعد أن ارتفع مستواه التعليمي خرج بآرائه الخاصة به المرفوضة من أهل الإيمان، والتي ظل يُعلنها دون مراعاةٍ ولا مواربة، فكانت هذه الآراء المتعارضة مع ما يُقدسه الآخرون، خاصة في الجزيرة العربية، سبباً في تغيّبه وتغييبه، ولكن القصيمي في كثير من البلاد العربية، أصبح علماً مرموقاً كمثقف ومفكر عملاق.

برغم نظر البعض إلى القصيمي كمفكرٍ عملاق، إلا أن الكثيرين يرون أنه لا يتكئ على أساس ولم يقدم أي بديل؟

من يقرأ للقصيمي يجده غوّاصاً ماهراً في لجج الأفكار ومحلقاً في التوصيف والتحليل، ويرى فيه بعض قُرائه أنه يلغي ولا يثبّت، وأنه يعكر الماء ولا يؤمن البديل، ويرى فيه أنه أفلت المسار وضاع في متاهات الرفض، رفض كل شيء، وإنهائه لكل فكر يمثلُ مذهباً أو أيديولوجية عقائدية دينية كانت أم وضعية، إلى نهاية عدمية، وفسروا إنهاءاته هذه، أنها دوران في منطقة الفراغ، ولم يدركوا أن النهاية العدمية عند القصيمي -فيما اعتبروه نهاية عدمية- هو البديل الذي يريد تأكيده وكأنه يقول: لقد أحطتُ بما لم تحيطوا به، إن كل شيء في هذه الحياة من مادي ومعنوي ما هو إلا عدمٌ ينتهي إلى عدم، وأنكم فيما تؤمنون به من مذاهب وأيديولوجيات وما تسعون إلى تحقيقه بجهود مضنية أحياناً، ما هو إلا نتيجة ما تتمتعون به من ذلة الخضوع وهيمنة قوة الجهل والقبول،
هذا هو البديل الذي أعتقد القصيمي أنه البديل الأوكد، فابتلعته قناعته العبثية بالعبثية الفلسفية، وأخرجته من نطاق الثابت الفطري إلى منطقة المُطلق الذي لم يستطع إثباته.

يذكر البعض أن الشيخ عبد الرحمن بن سعدي التقى القصيمي في بيروت، عندما كان الشيخ، رحمه الله، هناك في رحلة علاجه، فما رأيك؟

أؤكد لك وبدون استثناء أن الشيخ عبد الرحمن، رحمه الله، لم يلتق بالقصيمي وأنه رفض اللقاء به على الرغم من أن القصيمي قد طلب من الشيخ الالتقاء معه، وأما الذي التقى به ولعدة مرات، فهو الشيخ المرحوم محمد المنصور الزامل، وهو أحد الملازمين للشيخ السعدي والمُقدمين عنده من أصحابه وتلاميذه، هذا ما حدثني به الشيخ محمد المنصور نفسه، والذي أفادني بأنه لام الشيخ عبد الرحمن على رفضه استقبال القصيمي بدعوى أنه ربما جعل الله من لقائهما سبب خيرٍ للقصيمي، وكان الشيخ المنصور مُعجبا باطلاع القصيمي وعلمه وقدرته على النقاش، كما كان يرى في هدايته، لو قدره الله، مصلحة للإسلام والمسلمين، لذا فإنه كان يدعو له دائما أن يمن الله عليه بالهداية، وأرجو أنّ رحمة الله قد تداركته قبل حشرجته الأخيرة!

ما الدور الذي قام به صالح بن محمد الحميدي مع عبد الله القصيمي، عندما كان الأخير في بيروت، وهل كان الحميدي يساعد القصيمي مالياً؟!

سبق أن سألني الأستاذ الفاضل هاشم الجحدلي هذا السؤال، وإجابتي هو أن المرحوم صالح الحميدي، ذلك الرجل الكريم الخدوم، ليس لديه حينها قدرة مالية ليفعل ذلك، فأنا أعرفه جيداً، وهو بمثابة أخ صديق بالنسبة لي، وقد زادت معاناته المالية هو نفسه بعد أن تزوّج فتاةً جبلية من قرية ''جديتا'' قرب شتورا، ورُزق بأول مولود ذكر منها، وحيثُ أنه أصبح في أمس الحاجة إلى سكن يستقرُ فيه، فقد كان يعمل ويكدح بكل جهده، فعمل مُعقباً فيما بين تخليص البضائع التجارية من ميناء بيروت وتخليص المعاملات البنكية لعدد من التجار السعوديين، من تجار جدة ومن تجار الكويت من أهل عنيزة، وأخيراً كرجل كثير المعارف محبوب تعين محاسباً أو أميناً للصندوق في الملحقية الثقافية السعودية في بيروت، وأصبح يمتلك راتباً ثابتاً مع ما يكسبه من أعمال خدمية سابقة، فتملّك بيتاً وأصبح يعيش عيشة جيدة،
وكان القصيمي حينها في لبنان يُعاني حالة فقر لا مزيد عليها، وكان يرتبط في اجتماعاته الشخصية بعددٍ من التجار، خاصةً من أهل القصيم ومن أهل عنيزة، بشكلٍ أكثر خصوصية، فكانوا يعطفون عليه ويعرفون أُنفته، إضافة إلى معرفتهم وضعه المادي البائس، فكانوا يجمعون أموالاً بين حينٍ وآخر، خاصةً في فترة الصيف، حيثُ يوجدون في المصيف، ثم يدفعون هذه المبالغ للمرحوم صالح ليُسلمها للقصيمي دون أن يخبره عن مصدرها، هذا ما أعتقده بقوّة، وقد حدّثني الشيخ الجليل المرحوم إبراهيم بن محمد الحسون، أنه جمع هو نفسه، مبلغ أربعة آلاف ليرة لبنانية، وما أدراك ما أربعة آلاف ليرة لبنانية في ذلك الزمن؟! وعندما التقى به بهدف تسديدها له، تفوّه القصيمي بجملة بذيئة لا يقبلُ إنسان مؤمن قوي الإيمان، كالشيخ الحسون بها، فكرهها وكرهه على أثرها، وعاد بالليرات إلى أصحابها،
وبعد حالة من البؤس قرّر القصيمي المهادنة وانتقل إلى القاهرة فقرّرت له الحكومة السعودية راتباً ثابتاً ووافراً، خاصةً أنه تزوّج من مصر، ورزق بأولاد أفذاذ، أثبت أنه أنشأهم نشأة رائعة، وكان يُقابل بكل احترام وتقدير في السفارة السعودية وفي الملحقية الثقافية في مصر، بل ويُقابل بالحفاوة والاحترام من كل الشخصيات السعودية الكبيرة، بما فيهم بعض الأمراء، وربما كان الهدف من أكثر هؤلاء محاولة التأثير عليه للعودة إلى سجية بلده الأصلي وسجية آبائه وأجداده، واستمر هذا التعامل الخاص معه إلى أن توفاه الله، والله سبحانه يهدي من يشاء ويضل من يشاء.

أثناء زياراتك المتكررة للبنان، أوكسجين العالم العربي كما ذكرت! هل التقيتَ أحدا من أدبائه ومفكريه مباشرة؟

بالنسبة لسفرتي الأولى التي ابتدأت وانتهت ما بين 14/11/1374هـ، إلى 8/3/1376هـ، فقد كنتُ حَدَث السن، وبالطبع فإنه لم يكن من الممكن الالتقاء بشخصيات لها وزنها، إلا اللهمّ الشيخ مارون عبود، القاص والأديب الناقد المعروف، فقد كنتُ وأثناء تردّدي على ثانوية ''عَالَيْه'' في صيف 1375هـ، أراه جالساً خاصةً بعد العصر على دكةٍ بالقرب من باب الثانوية، وأعتقد أنه كان يسكن في البيت الملاصق للمدرسة، كما أعتقد أنه كان مديراً فخرياً لها، لهذا السبب كنتُ إذا مررتُ وهو جالس على كرسي من الخيزران مِلتُ عليه وحدي أو أنا ومن معي من الشباب، وسلّمنا عليه وجلسنا عنده دون إطالة، وقد كان شيخاً جذّاباً كل ما فيه يشدك إليه، جلسته، عكازه، طربوشه، حديثه الهادئ، ابتسامته، وقد كنتُ أتأمل في سمات ذلك الشيخ الذي يجمع بين الود والخطورة التي تمثلها لذعاته النقدية الأدبية، ومن أجمل لذعاته التي أدلى بها في أحد أحاديثه التي كان يُلقيها من محطة الشرق الأدنى البريطانية الاستعمارية في قبرص، قوله عن الشباب الجامعي اللبناني: (إن شبابنا الجامعي يكتفي بالسلاح الجامعي.. وإن كان من نوع السلاح الفاسد)! وهذا التعبير في نظري يفوقُ قول فولتير الفرنسي: (إن الشباب عندنا كالطفل الذي لا يعرف إلا كلام مربيته)!
كما التقيتُ أكثر من مرة صاحب ''الحارثيات'' جورج حنّا، وذلك في مكتبة دار الثقافية للنشر والطباعة، الواقعة في ساحة رياض الصلح، وكان يدور بيينا أحاديث مركزة عن حركة الفكر العربي والأوضاع السياسية العربية، وهذه اللقاءات كانت في أسفارٍ أخرى وبالذات سنة 1383هـ،
وأسباب كون هذه اللقاءات في هذه المكتبة هي أن جورج حنّا، صديق لأصحابها، وبالنسبة لي فقد كنتُ أنتقي منها ما أُريد ويؤمنون لي عادةً ما ليس لديهم من مكتبات أُخر، لعلمهم أين توجد،
وفيما عدا الشيخ مارون عبود والأستاذ جورج حنّا، كنتُ أرود كذلك دار العلم للملايين، وكان مقرها في عمارة العزارية قرب ساحة رياض الصلح، للغرض نفسه، مما شكل علاقة لم تبلغ حد المتانة مع منير البعلبكي، وأحد هذه اللقاءات كنتُ أنا والأستاذ الوقور الفاضل محمد بن عبد الرحمن الشامخ ''الدكتور حالياً''.
لكن بمناسبة الحديث عن علاقتي بلبنان، فليس لديّ ما يمنع أن أقول لك: إنه عندما تقرّر سفري من عنيزة إلى لبنان لأول مرة سنة 1374هـ، حملتُ معي من عنيزة ديوان الرصافي وجواهر الأدب، ولولا منعي من قِبل أهلي لكون ذلك سيثقلني لحملتُ غيرهما كتغريبة بني هلال، والزير سالم، وعنترة العبسي، وسيف بن ذي يزن، وبلاد العمالقة وغيرها، وكان الهدف من حملي ذينك الكتابين هو خشيتي ألا أجد ما أقرأ فيه! لأنني في الحقيقة لم أكن أعرف أي شيء عن لبنان، وقد عدتُ بالكتابين معي وديوان الرصافي الذي عدتُ به مازال في مكتبتي حتى كتابة هذه الأحرف، المهم أنني كلما تذكرتُ أني حملت كتابين من عنيزة إلى لبنان عدتُ أضحك من نفسي وأعتذر للبنان! وفي إحدى تذكراتي لهذه الحكاية حاولتُ أن أنظم أبياتاً حولها بدأتها
:

لبنانُ جئتك مصحوباً بمكتبتي ** هما كتابان لا عَد ولا عَددُ

أهديك إياهما فاقبل مجاملتي ** إن الكرام إذا ما كوفئوا
حَمَدوا



فلما قرأتها بعد سنوات طويلة، أحسستُ باشمئزاز يفوقُ اشمئزازي من رؤية ''رامسفيلد'' , ودعوتُ الله أن يرسل عليها حاصب النقاد الأكثر بذاءة، ممن يحسبون أنهم يعلمون وهم لا يعلمون حتى يدفعوا بي إلى التخلي عنها وإعلان البراءة منها، كما تبرأ أخي الدكتور عبد الله الغذامي من قصائده القديمة، وإني لأستعينه بعد الله أن يعطيني وصفة تساعدني في تخليص ذاكرتي منها.

 

أستاذي: قمتَ بشرح وتقريظ قصيدة الخياط الشهيرة، وكتبتَ ملحمةً شعبيةً تُسجل مواقف حربية تخص عنيزة على مدى 145 عاماً، تضمّنتها مذكرة وزعت على بعض الأصدقاء، هل نعتبرها بدايةً لمشروع تحقيقات في الشعر والتاريخ والآثار؟

هذا ممكن.. ولكني لا أعدُ به.. وأكرر أنه ممكن.

متى تنوي طباعتها في كتاب ليطلع عليها الجميع؟

لقد اطلع عليها الكثيرون جداً قبل طباعتها، وطباعتها غير واردة عندي الآن، لما ستتعرض له من حذف وتحريف لا أقبل بهما على الإطلاق.

أستاذ هذا آخر سؤال في جعبتي، وهو سؤال يدخل في عمق خصوصياتك، لذا فإنك تستطيع أن تجيب عنه أو تلقيه جانباً !

أعدك بأنني سأجيب عنه مهما كان مضمونه.

منذ مرحلة شبابك وأنت مع الكتاب والفكر قراءةً ونقاشاً، ولقاءات وأسفاراً، هل تبنّيتَ انتماء فكرياً أو مؤسساتياً معيناً؟

الذي أجزم على قوله: هو أنني لم أنتم في حياتي إلا لهويتي الإسلامية والعربية.. أمتي العربية التي يؤلمني أن أرى بعد كل تلك السنوات والآمال العِراض، أرى نسيجها يهترئ وجروحها تتسع وتتعمق، ونزيفها يزداد، وإنني لأعجب إلى حد الحيرة، كيف حقّقت هذه الأمة ما حققته من مجد غابر على صهوات الخيل، وظهور الإبل، والأقدام الحافية التي يوهنها الجوع والظمأ أحياناً، بينما نراها اليوم على هذه الحال من هزائم، وإحباطات رغم ما لديها - حكاماً وشعوباًت- من طاقة بشرية وإمكانات هائلة؟!! ما يؤكد أن العبرة ليست بالثروة في حد ذاتها، وإنما بالتدبير وحسن التوظيف لا باستخدامها لتحقيق الترف الغبي، وشبق الثراء الفردي، وتفاهة الأهداف.
نعم إنني أنتمي لأمتي العربية والإسلامية بدايةً ونهايةً، إن شاء الله، وأزيدك علماً أنني وبكل قوة أستهجن أي انتماء لغيرها فكرياً كان أم مؤسساتياً، خاصة في عالمنا العربي الخصب بالزعامات الديماغوجية ''الدهماوية'' المهرجة التي تستغل عقول الدهماء وتستخف بها، وتوظفها لأهدافها وميولها الخاصة.
لم أدع مذهباً أو أيدلوجية معروفة عالمياً، إلا قرأتها وحاولتُ أن أتفهم معناها وغايتها على مدى 40 عاماً، وناقشتُ فيها ودافعتُ عن الجوانب الحسنة فيها، حسبَ رؤيتي الخاصة، وأبديت رأيي في جانبها السلبي، وهذه الطريقة الموضوعية في التعامل مع الأفكار، تدفع البعض إلى الاعتقاد أنك يا مَنْ تؤكد جانباً إيجابياً في فكرة أو نظرية هو مضاد لها - وغالباً هو لا يفهمها - تدفعهم إلى نسبك لهذه الفكرة أو النظرية، ولذلك فقد نُسبتُ من قبل هذا البعض إلى أيديولوجيات متعددة، وإن كان هذا البعض ممن لا أعرفهم، ولم ألتق بهم، أو أناقشه أو يناقشني في يوم من الأيام، إنهم من النوع الكريم جداً في إهداء الإساءة لغيرهم، وأنا لا ألومهم فهم أبناء بيئتهم!

هل يزعجك هذا؟


قلتُ لك وأكرره، إن الذي يزعجني هو حال أمتي الإسلامية والعربية، أما ما يصدر من إخوان لي ابتدعوا واستحسنوا ما ابتدعوا وصدّقوه، فأمر يتلاشى في وهج التسامح وعدم الرغبة في المجازاة
.


الاقتصادية

 http://www.aleqt.com/NewsList.asp?Ne...1817&MenuID=20

 

 

أرسلت يوم 29-7-1429 هـ بواسطة admin

 

روابط ذات صلة

تقييم المقال

المعدل: 3
تصويتات: 2


الرجاء تقييم هذا المقال:

ممتاز
جيد جدا
جيد
عادي
رديئ


التعليقات مملوكة لأصحابها. نحن غير مسؤلون عن محتواها.

التعليق غير مسموح للضيوف, الرجاء التسجيل